ابن كثير

15

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فكله ، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله » « 1 » ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمزراق « 2 » ونحوه بحده ، فأحله ، وما أصاب بعرضه فجعله وقيذا لم يحله ، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء ، واختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله ، ولم يجرحه على قولين ، هما قولان للشافعي رحمه اللّه [ أحدهما ] لا يحل كما في السهم والجامع أن كلا منهما ميت بغير جرح فهو وقيذ . [ والثاني ] إنه يحل لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب ولم يستفصل ، فدل على إباحة ما ذكرناه ، لأنه قد دخل في العموم ، وقد قررت لهذه المسألة فصلا فليكتب هاهنا . [ فصل ] - اختلف العلماء رحمهم اللّه تعالى فيما إذا أرسل كلبا على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه ، أو صدمه : هل يحل أم لا ؟ على قولين [ أحدهما ] أن ذلك حلال لعموم قوله تعالى : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ، وكذا عمومات حديث عدي بن حاتم ، وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي رحمه اللّه ، وصححه بعض المتأخرين منهم كالنووي والرافعي . قلت : وليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم والمختصر ، فإنه قال في كلا الموضعين : يحتمل معنيين ، ثم وجه كلا منهما فحمل ذلك الأصحاب منه ، فأطلقوا في المسألة قولين عنه ، اللهم إلا أنه في بحثه للقول بالحل رشحه قليلا ، ولم يصرح بواحد منهما ، ولا جزم به ، والقول بذلك - أعني الحل - نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة من رواية الحسن بن زياد عنه ، ولم يذكر غير ذلك . وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في تفسيره عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر ، وهذا غريب جدا ، وليس يوجد ذلك مصرحا به عنهم ، إلا أنه من تصرفه رحمه اللّه ورضي عنه . والقول الثاني - أن ذلك لا يحل ، وهو أحد القولين عن الشافعي رحمه اللّه واختاره المزني ، ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضا ، واللّه أعلم . ورواه أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة ، وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه ، وهذا القول أشبه بالصواب ، واللّه أعلم ، لأنه أجرى على القواعد الأصولية ، وأمس بالأصول الشرعية ، واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج ، قلت : يا رسول اللّه ، إنا ملاقو العدو غدا ، وليس معنا مدى ، أفنذبح بالقصب ؟ قال « ما أنهر الدم وذكر اسم اللّه عليه فكلوه » الحديث بتمامه ، وهو في الصحيحين « 3 » . وهذا وإن كان واردا على سبب خاص ، فالعبرة بعموم اللفظ عند جمهور من العلماء في الأصول والفروع ، كما سئل عليه السلام عن البتع ، وهو نبيذ العسل فقال « كل شراب أسكر فهو حرام » ، أفيقول فقيه : إن هذا اللفظ مخصوص بشراب العسل ؟ وهكذا هذا ، كما سألوه عن شيء من الذكاة ، فقال لهم كلاما عاما يشمل ذاك المسؤول عنه وغيره لأنه عليه

--> ( 1 ) صحيح البخاري ( توحيد باب 13 ) وصحيح مسلم ( صيد حديث 1 ) ( 2 ) المزراق : رمح قصير . ( 3 ) صحيح البخاري ( شركة باب 3 و 16 ذبائح باب 15 و 18 ) وصحيح مسلم ( أضاحي حديث 20 )